خلفية الموقع

إن موقع كيش الأثري (32ْ° 30" شٍمال، 44ْ° 35 شرق) يقع على السهل الفيضاني لنهر الفرات في العراق اٍلحديث، ويبعد 12 كيلومترا إلى الشرق من بابل وثمانين كيلومترا إلى الجنوب من بغداد.ويتضمن الموقع أكثر من أربعين تلة موزعة على منطقة تبلغ مساحتها 25 كيلومترا مربعا. وقد قسم المسار القديم لنهر الفرات (بوراتا) المنطقة إلى جزأين شرقي وغربي .ويحيط بالمجمع الشرقي (الذي عرف قديما باسم هارساغكالاما) سلسلة من التلال عرفت باسم إنغارا، فيما بقيت زكورة أحيمر (هيكل هرمي الشكل مؤلف من عدة طوابق) هي ما تبقى من شواهد على المدينة.

لقد منحت الجغرافيا لكيش الكثير، فموقعها على ضفاف نهر الفرات- وهو الشريان الرئيسي للحياة في المنطقة- والتقاء الطرق الرئيسية الكبرى عندها، منحا سكانها الأوائل مزايا عديدة.واستناداً إلى قائمة ملوك سومر فقد كانت كيش المكان الأول الذي احتضن الملوك بعد طوفان نوح العظيم. ويدرك علماء الآثار الآن أهمية الموقع كواحدة من أقدم مدن العالم الحقيقية، وأولى القوى الإقليمية المسيطرة.
في مطلع الألفية الثالثة قبل الميلاد تكوّن المشهد الاجتماعي والسياسي في جنوب العراق بوجود عددٍ من المدن الصغيرة المتنافسة التي مثلت كل واحدة منها رغم صغر حجمها دولة مستقلة. وحكم هذه المدن ملوك محليون صغار هم في الأساس قادة حرب عملوا على تثبيت دعائم حكمهم لهذه المدن بمساحات من الأراضي الزراعية المروية بأقنية رئيسية متفرعة من نهري دجلة أو الفرات. وكان لهؤلاء الملوك القدرة على تعبئة الناس كجنود عند نشوب أي صراع مع دول الجوار. بالإضافة لعلاقاتهم الوطيدة بالمؤسسة الدينية. في هذه البيئة العنيدة ومحتدمة الصراع بزغت كيش، تلك "المدينة – الدولة" ذات النفوذ الأقوى بالمنطقة في مطلع الألفية الثالثة قبل الميلاد، وهي الحقبة التي عُـرفت بالسلالات الحاكمة القديمة. تمكنت كيش في آخر الأمر من بسط نفوذها ليس على أطرافها المباشرة فحسب بل على أراضي سومر وأكاد، لتكون بذلك أول مثال لظهور الهيمنة الإقليمية في بلاد ما بين النهرين. كما شهدت التماثيل والألواح القديمة التي عُـثر عليها أثناء عمليات التنقيب على وجود إدارات حكومية كاملة التطور والنضوج مع نهاية الربع الأخير للقرن الرابع قبل الميلاد.
متابـــعة